محمد الغزالي

427

فقه السيرة ( الغزالي )

قال بعضهم للاخر : إن كان هذا الرجل ملكا ، فلن نأمن طعننا عليه وخصامنا له ، فإنّ دولته مقبلة ، وربما أصابنا قومه بجائحة . وإن كان نبيّا مرسلا فلاعنّاه ، فلن يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك ، فما الرأي ؟ . فجاءه متحدث القوم شرحبيل بن وداعة ، وقال له : رأيت خيرا من ملاعنتك . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما هو ؟ » . قال : أدع لك الحكم فينا فمهما قضيت فهو جائز ! فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لعلّ وراءك أحدا يثرّب عليك ؟ » فقال شرحبيل : سل عني . فلما سأل الرسول صلى اللّه عليه وسلم عنه أخبر أن أهل الوادي لا يصدرون ولا يردون إلا عن رأيه ، فقال : « جاحد موفق » . ورجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يلاعنهم ، وعقد معهم صلحا ، أصبحوا بمقتضاه من رعايا الدولة الإسلامية . وجاء في شروط هذا الصلح : « أنّ لنصارى نجران جوار اللّه وذمة محمد النبي على أنفسهم وملتهم ، وأرضهم وأموالهم ، وغائبهم وشاهداهم ، وعشيرتهم وتبعهم . وألايغيّروا مما كانوا عليه ، ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم ، ولا يغير أسقف من أسقفيته ، ولا راهب من رهبانيته ، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير . وليس عليهم ريبة ولا دم جاهلية ، ولا يحشرون - يكلفون - بجهاد ، ولا يعشّرون - يكلفون بزكاة - ولا يطأ أرضهم جيش . ومن سأل منهم حقا فبينهم النّصف غير ظالمين ولا مظلومين ، ومن أكل ربا فذمتي منه بريئة ، ولا يؤخذ رجل منهم بظلم اخر . وعلى ما في هذه الصحيفة جوار اللّه وذمة محمد رسول اللّه حتى يأتي اللّه بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين بظلم » . وشهد على هذه المعاهدة أبو سفيان بن حرب ، وغيلان بن عمرو ، ومالك بن عوف ، والأقرع بن حابس ، والمغيرة بن شعبة . فماذا كلّف به نصارى نجران بإزاء هذه الحقوق ؟ أن يدفعوا للدولة ألفي حلة في السنة ! وهي بدل تافه عن الزكاة التي يدفعها المسلمون واحدهم ، والجهاد الذي يحملونه واحدهم . وتلك هي الجزية التي ضربت على نجران بعد المفاوضات التي رأيت .